يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
159
بهجة المجالس وأنس المجالس
أطلب بعض الحياض « 1 » التي كنت أعرفها لأملأ إداوتى منها ، فوجدت واحدا منها فملأت الإداوة ، ورجعت والراهب نائم بحاله ، وإذا بثعبان عظيم يسير إليه لينهشه ، فاخترطت سيفي ونزلت إليه فلحقته ، وقد كاد ينقره فقتلته ، وجلست أخفر الرّاهب إلى أن قام وقد استراح من تعبه ، فعرضت عليه الماء فشرب ، ونظر إلى الثعبان فهاله أمره ، فعرفته أنه قصده وأنى قتلته فشكر ، وقال : قد أحييتنى مرتين ، ووجب حقّك « 2 » على ، قد حبست نفسك « 2 » علىّ ، ونزلت معي حتى استرحت ، وآنستنى من الوحدة ووحشة الطريق ، وأنا مع ذلك في غربة . ولا أدرى بما ذا أكافئك ، ثم ركبنا وسرنا فما لحقنا القافلة إلّا مساء ، وطلبت رحلي وغلاما كان معي إلى أن وجدته ، فأنزلت الرّاهب معي إلى أن أصبحنا ، فجاءه غلامه ورحله ، فقال لي : أين تريد ؟ فعرفته أنى أريد دمشق بتجارة معي ، فسألني عنها فأخبرته ، فقال لي : أين تريد ؟ تدخل معي إلى مصر فإن لي بها حالا جميلة وجاها عريضا ، ولعلى أكافئك على ما أوليتنى ، فإن يدي تقصر هاهنا عن مكافأتك ، وعلىّ أن أربحك في تجارتك ضعف ما تأمله من الربح منها ، فوقع كلامه بقلبي ، فقلت له : على أن تخرج معي من يكفلنى ويحملني في طريقي ، أو تضيفنى إلى من يبلغني هذا هذا المكان ، فإنّي إذا بلغته عرفت الطريق إلى موضعي . قال : بل أردّك إليه من طريق هو أقرب من طريقك هذا ، فسرت معه فرأيت رجلا جميل الصّحبة
--> ( 1 ) في ح : الحساء . ( 2 ) ساقط من ا .